اجرى موقع مجلة گوڵان میدیا حوار مع سماحة الشيخ مرشد معشوق الخزنوي
في المجال السياسي والفكري الكردي، قلّما نجد شخصيات تجمع بين الأصالة الدينية والرؤية الوطنية المنفتحة. في هذه المقابلة الحصرية، نستضيف عالماً ومفكراً ينتمي إلى عائلة زاخرة بالعلم والتضحية، الدكتور مرشد خزنوي، نجل الشهيد الشيخ معشوق خزنوي.
الدكتور مرشد خزنوي، الحاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإسلامية، لم يبرز فقط كشخصية دينية وخبير في الشريعة، بل أيضاً كصوت عقلاني معتدل، سعى دائماً إلى تسخير الدين والفكر لخدمة شعبه. وله خبرة في إلقاء الخطب في مدن مهمة كالحسكة ودمشق، ويتمتع بمكانة اجتماعية ودينية مرموقة.
السؤال الاول : إلى أي مدى ساهمت التغييرات والحروب في تحويل القضية الكردية من قضية محلية محدودة إلى قضية دولية؟.
الاجابة : إن التحولات العميقة التي شهدتها منطقتنا خلال العقود الأخيرة، وما رافقها من حروب وانهيارات للدول المركزية، لم تغيّر فقط خرائط النفوذ، بل أعادت صياغة طريقة تعامل العالم مع الشعوب غير الممثلة تمثيلا عادلا، وفي مقدمتها شعبنا الكردي المقاوم.
لقد كانت القضية الكردية تحاصر طويلا داخل حدود الدول التي يتوزع فيها الكرد، وتقدم على أنها شأن داخلي، لكن مسار الأحداث أثبت أن تجاهل حقوق شعب كبير مثل الشعب الكردي ينعكس مباشرة على أمن المنطقة واستقرارها.
ومن المهم التأكيد هنا على أن هذا التدويل للقضية الكردية لم يكن وليد الصدفة أو مجرد نتيجة عارضة للحروب، بل كان ثمرة ناضجة لتضحيات جسام قدمها الشعب الكردي عبر عقود، وبفعل حكمة قياداته في اقتناص اللحظات التاريخية وتحويل الأزمات إلى مكاسب وطنية.
لقد لعب الكرد دورا محوريا في مواجهة أخطر التهديدات التي عرفتها المنطقة، وفي مقدمتها الإرهاب العابر للحدود؛ وهذا الدور لم يكن عسكريا فقط، بل كان سياسيا وأخلاقيا أيضا، إذ قدم الكرد نموذجا في حماية المدنيين، وفي إدارة مناطقهم بقدر كبير من المسؤولية رغم الظروف القاسية، مما جعل القوى الدولية تنظر إليهم باعتبارهم عنصرا فاعلا لا يمكن تجاوزه.
كما أن الحروب التي ضربت المنطقة كشفت هشاشة الحدود المصطنعة، وأظهرت أن القضايا القومية لا يمكن دفنها تحت ركام السياسات القسرية. ومع كل أزمة جديدة، كانت القضية الكردية تخرج إلى السطح بوصفها جزءا من معادلة الأمن الإقليمي، لا مجرد ملف محلي.
إلا أن هذا التدويل يضع الكرد اليوم أمام مسؤولية أكبر حيث يطلب منهم أن يقدموا خطابا موحدا، ورؤية سياسية ناضجة، وأن يثبتوا للعالم أن قضيتهم ليست مجرد صراع على السلطة، بل هي مطلب مشروع لشعب يريد العيش بسلام وكرامة ضمن إطار يحترم حقوقه وهويته.
إن العالم اليوم يرى في الكرد شريكا في الاستقرار لا طرفا في الفوضى، وهذا مكسب تاريخي صاغته دماء الشهداء وحنكة السياسة، ويجب الحفاظ عليه بالوحدة والترفع عن الانقسامات.
السؤال الثاني : ما هو دور الرئيس بارزاني في القضية القومية، وإلى أي حد استطاع تقريب أجزاء كردستان من بعضها.
الاجابة : إن الحديث عن دور الرئيس مسعود بارزاني في المسار القومي الكردي هو حديث عن مرحلة كاملة من تاريخ شعبنا، مرحلة اتسمت بتعقيدات سياسية وأمنية غير مسبوقة.
ويكمن دور الرئيس بارزاني بأنه كان أحد أبرز الشخصيات التي سعت إلى تثبيت الهوية القومية الكردية في زمن كانت فيه المنطقة تتجه نحو التفكك والصراع.
لقد عمل على ترسيخ فكرة أن الكرد رغم تشتتهم الجغرافي، يشكلون أمة واحدة ذات قضية واحدة، وأن التواصل بين أجزاء كردستان ليس ترفا سياسيا، بل ضرورة قومية.
ومن خلال مبادراته السياسية والعلاقات التي نسجها، استطاع أن يفتح قنوات للحوار بين القوى الكردية في أجزاء مختلفة، وأن يخفف من حدة التوترات التي كانت تهدد وحدة الصف.
ومن منظور ديني وأخلاقي وقومي، فإن كل جهد يقرب بين أبناء الأمة هو جهد محمود، وكل خطوة تمنع الاقتتال الداخلي هي خطوة تحفظ الدم والعرض والكرامة.
ولهذا فإن الدور الذي لعبه الرئيس بارزاني في تجنب الصدامات الكردية‑الكردية، وفي الدعوة إلى الحوار بدل السلاح، هو دور أساسي في حماية النسيج القومي.
ومع ذلك، فإن تقريب أجزاء كردستان من بعضها ليس مهمة فرد أو حزب، بل هو مشروع طويل يحتاج إلى إرادة جماعية، وإلى خطاب وحدوي يعلو فوق الحسابات الضيقة. وما قام به الرئيس بارزاني في هذا المجال يعد جزءا من مسار أكبر يجب أن يشارك فيه الجميع العلماء، والمثقفون، والقوى السياسية، والمجتمع المدني.
إن الأمة الكردية اليوم بحاجة إلى كل جهد صادق يقرب ولا يفرق، يوحد ولا يشتت، ويضع مصلحة الشعب الكردي فوق كل اعتبار. وهذا هو الطريق الذي نؤمن به وندعو إليه دائما.
السؤال للثالث : في هذه الحروب، ما أهمية المنطق الذي اتبعه بارزاني بعدم السماح لكردستان بأن تصبح جزءا من محاور الصراع؟
الاجابة : إن المنطقة خلال السنوات الماضية تحولت إلى ساحة صراع مفتوح بين قوى إقليمية ودولية، وكل طرف حاول أن يجر الآخرين إلى محوره.
وفي مثل هذه الظروف يصبح القرار السياسي الحكيم هو ذاك الذي يحمي شعبه من أن يتحول إلى وقود في معارك لا ناقة له فيها ولا جمل. ومن هنا تأتي أهمية النهج الذي اتبعه الرئيس مسعود بارزاني في عدم السماح لكردستان بأن تُستدرج إلى محاور الصراع.
هذا الموقف لم يكن مجرد خيار سياسي، بل كان خيارا استراتيجيا لحماية الاستقرار الداخلي، وللحفاظ على مؤسسات الإقليم من الانهيار، ولتجنيب الشعب الكردي تبعات صراعات أكبر منه.
فالدخول في محاور متصارعة يعني فقدان القدرة على اتخاذ القرار المستقل، ويعني أن يتحول الإقليم إلى ساحة تصفية حسابات بين الآخرين.
وعليه فإن سياسة “الحياد الإيجابي” كانت الدرع الذي حمى الإقليم من حروب الوكالة، وجعلت من أربيل قبلة للدبلوماسية الدولية بدلا من أن تكون وقوداً لنيران الآخرين.
كما أن هذا النهج حافظ على صورة الكرد أمام المجتمع الدولي، بوصفهم قوة مسؤولة لا تبحث عن التصعيد، بل عن الاستقرار. وهذا مكسب سياسي مهم، لأن العالم اليوم ينظر بعناية إلى القوى التي تستطيع أن تبقى متوازنة في زمن الفوضى.
إن عدم الانجرار إلى المحاور لم يكن موقفا سلبيا أو انسحابا من الساحة، بل كان موقفا واعيا هدف إلى حماية البيت الكردي من الداخل، وإلى إبقاء القرار الكردي مستقلا قدر الإمكان، وإلى منع تحويل كردستان إلى ساحة حرب بالوكالة. وهذا من صميم الحكمة السياسية التي تحتاجها الأمة الكردية في هذه المرحلة.
السؤال الرابع : في الدول التي يتوزع فيها الكرد وتشتد فيها الطائفية، ما الذي ينبغي على الكرد فعله؟
الاجابة : إن تصاعد الطائفية في دول المنطقة ليس مجرد حالة اجتماعية، بل هو تحول سياسي عميق يعيد تشكيل موازين القوى داخل كل دولة. وهو ليس خطرا على مكون بعينه، بل هو تهديد شامل يطال الجميع دون استثناء.
وفي مثل هذه البيئات المتوترة يصبح على الكرد مسؤولية مضاعفة، لأنهم تاريخيا لم يكونوا طرفا في النزاعات المذهبية، بل كانوا عامل توازن واستقرار. ولهذا فإن الحكمة تقتضي أن يحافظ الكرد على هذا الدور، وأن يبتعدوا عن الاصطفافات التي لا تخدم مستقبلهم ولا مستقبل المنطقة.
ودخول الكرد في الاصطفافات الطائفية يعني فقدان القدرة على المناورة، ويضعهم في موقع التابع ضمن صراع لا يملكون أدوات التحكم فيه.
أما الحفاظ على الحياد الإيجابي والتمسك بالهوية القومية والوطنية الجامعة، فهو ما يمنحهم القدرة على حماية مصالحهم وعلى البقاء قوة مستقلة في معادلة معقدة.
كما أن القوى الإقليمية غالبا ما تستخدم الطائفية كأداة نفوذ، وكل طرف يسعى إلى توسيع دائرة تأثيره عبر المكوّنات المحلية وفي مثل هذا السياق، فإن انجرار الكرد إلى هذه المحاور يجعلهم جزءا من لعبة أكبر منهم، ويعرض مناطقهم ومجتمعهم لمخاطر لا يمكن السيطرة عليها. لذلك فإن الخيار الأكثر عقلانية هو أن يحافظ الكرد على مسافة واحدة من الجميع، وأن يقدموا أنفسهم كقوة مدنية معتدلة، لا كطرف في صراع مذهبي.
كما أن المجتمع الكردي بطبيعته مجتمع متنوع، يضم مذاهب واتجاهات فكرية متعددة، لكنه لم يعرف عبر تاريخه صراعات مذهبية داخلية. الحفاظ على هذا الإرث يتطلب وعيا سياسيا، وتعزيزا للمؤسسات المدنية، وتحصينا للخطاب العام من أي محاولة لزرع الانقسام.
كما أن الطائفية دينيا يعد باب من أبواب الفتنة، والفتنة إذا اشتعلت لا تُبقي على أحد. وقد علمنا الدين أن حفظ المجتمع من الانقسام أولى من الدخول في صراعات لا طائل منها. ولذلك، فإن واجب الكرد في هذه المرحلة هو أن يكونوا عامل تهدئة، وأن يقدّموا خطابا يرفض التحريض، ويعلي من قيمة الإنسان، ويضع مصلحة الأمة فوق كل اعتبار.
إن قوة الكرد في هذه الدول لا تأتي من الانحياز إلى طرف ضد آخر، بل من قدرتهم على أن يكونوا عنصر توازن، وصوتًا عاقلا في زمن تتداخل فيه المصالح وتتشابك فيه الصراعات. وهذا الدور إذا أحسنوا إدارته، سيمنحهم احتراما داخليا وخارجيا، ويعزز موقعهم في أي معادلة سياسية مستقبلية.
السؤال الخامس : كيف يمكن للكرد الحفاظ على التوازن الإقليمي وحماية كيانهم؟”
الاجابة : الحفاظ على التوازن الإقليمي في منطقة شديدة التعقيد مثل منطقتنا ليس مهمة سهلة، لكنه ضرورة وجودية للكرد.
فالجغرافيا التي نعيش فيها محاطة بقوى إقليمية كبرى، لكل منها حساباتها ومصالحها، وأي خلل في هذا التوازن ينعكس مباشرة على الشعب الكردي وعلى مستقبله السياسي والاجتماعي. ولهذا فإن إدارة هذا التوازن تحتاج إلى رؤية سياسية ناضجة، وإلى قراءة دقيقة للمتغيرات.
وقوة الكرد لا تأتي من الانحياز إلى محور ضد آخر، بل من قدرتهم على بناء علاقات متوازنة مع الجميع، دون تبعية ودون عداء مفتعل. فالدول تتغير سياساتها، والتحالفات تتبدل، لكن مصلحة الشعب الكردي يجب أن تبقى ثابتة. وهذا يتطلب سياسة خارجية واقعية، تقوم على المصالح المشتركة، وعلى احترام سيادة الآخرين، وعلى تجنب الدخول في صراعات لا تخدم مستقبل الأمة.
كما أن حماية الكيان الكردي لا يمكن أن تتحقق دون وحدة داخلية. فالبيت المنقسم لا يستطيع أن يفرض احترامه على أحد، بينما البيت المتماسك يملك القدرة على التفاوض، وعلى حماية نفسه من الضغوط. لذلك، فإن تعزيز الوحدة الوطنية، وتقوية المؤسسات، وتخفيف التوترات الداخلية، كلها عناصر أساسية في بناء قوة سياسية مستدامة.
ومن منظور استراتيجي، فإن الاقتصاد القوي هو أحد أهم أدوات الحماية. فالمجتمع الذي يعتمد على نفسه اقتصاديا يكون أقل عرضة للابتزاز السياسي، وأكثر قدرة على اتخاذ قرارات مستقلة. ولهذا فإن الاستثمار في البنية التحتية، والتعليم، والطاقة، والقطاع الخاص، هو جزء من حماية الكيان، وليس مجرد مشروع تنموي.
الكرد اليوم أمام فرصة تاريخية بأن يقدموا أنفسهم للعالم كقوة مسؤولة، قادرة على إدارة شؤونها، وعلى بناء علاقات متوازنة، وعلى حماية شعبها دون الدخول في مغامرات سياسية. وإذا استطاعوا أن يجمعوا بين الحكمة السياسية والوحدة الداخلية والقوة الاقتصادية، فإنهم سيضمنون لأنفسهم مكانا ثابتا في مستقبل المنطقة.
السؤال السادس: كيف تفسّر موقف روجآفا تجاه الهجمات على إقليم كردستان؟
الاجابة : عند النظر إلى موقف روجآفا تجاه الهجمات التي استهدفت إقليم كردستان، فإن القراءة المنصفة تُظهر بوضوح أن روجآفا، قيادة وشعبا، وقفت إلى جانب الإقليم في هذه المحنة.
فقد صدرت بيانات رسمية من مؤسساتها السياسية والعسكرية تُدين الهجمات، وتؤكد أن أمن الإقليم جزء لا يتجزأ من أمن عموم الشعب الكردي. كما شهدنا تظاهرات شعبية واسعة في مدن روجآفا، عبّر فيها الناس عن تضامنهم الصادق مع إخوتهم في الإقليم، وهذا موقف لا يمكن إلا تقديره.
ومن المهم الإشارة إلى أن روجآفا نفسها تعيش واقعا حساسا ومعقدا، نتيجة الضغوط السياسية والأمنية، ونتيجة مسار التفاهمات الجارية بينها وبين حكومة دمشق. هذا الواقع يفرض عليها هامشا ضيقا في الحركة، ويجعل كل موقف سياسي محسوبا بدقة. ومع ذلك ورغم هذه الظروف، فإنها لم تتردد في إعلان تضامنها مع الإقليم، وهذا يعكس عمق الانتماء القومي الذي يجمع الكرد في مختلف الساحات.
هذا الموقف الذي صدر من القيادة العسكرية والحركة السياسية في روج آفا والحراك الشعبي يعكس حقيقة ثابتة بأنه رغم اختلاف الساحات والظروف، فإن الوجدان القومي الكردي واحد، وعندما يتعرض جزء من كردستان للخطر، يتحرك الجزء الآخر بدافع الانتماء والمسؤولية المشتركة.
كما أن إقليم كردستان، قيادة وشعبا، وقف في أصعب الظروف إلى جانب روجآفا، وفتح أبوابه للنازحين، وقدّم الدعم السياسي والإنساني. وهذا التبادل في المواقف يؤكد أن العلاقة بين الجانبين ليست علاقة ظرفية، بل علاقة قومية أخوية ومصير مشترك، حتى وإن اختلفت الظروف السياسية لكل ساحة.
إن ما نحتاجه اليوم هو أن نبقي هذا الخط من التضامن مفتوحا، وأن ندير اختلاف الظروف بين الساحتين بروح المسؤولية القومية فالقضية الكردية أكبر من حدود أي جزء، وأكبر من أي خلاف تكتيكي. وما يجمعنا—اللغة، والثقافة، والدم، والمصير—أقوى بكثير من أي اختلاف في التحالفات أو الأولويات.
إن موقف روجآفا الداعم للإقليم، رغم واقعها المأزوم وضغوطها المعقدة، هو رسالة مهمة:
أن الأمة الكردية، مهما اشتدت عليها الظروف، ما زالت قادرة على أن تقف معا عندما يشتد الخطر.
وهذه الروح هي التي يجب أن نبني عليها مستقبلا أكثر وحدة وتنسيقا، لأن قوتنا الحقيقية تكمن في تضامننا، لا في تباعدنا.
السؤال السابع :كيف يمكن تحويل شعار الوحدة والاتحاد من خطاب إلى ممارسة؟
الاجابة : إن شعار الوحدة والاتحاد هو من أكثر الشعارات حضورا في الخطاب الكردي، لكنه وللاسف في كثير من الأحيان يبقى حبيس الكلمات لأنه وبكل اسف لم تبن له أسس عملية على الأرض.
فالوحدة ليست أمنية ولا مجرد خطاب تعبوي، بل هي مشروع سياسي واجتماعي يحتاج إلى إرادة، وإلى مؤسسات، وآليات عملية تلزم الجميع بالعمل المشترك. وإلى خطوات ملموسة تترجم شعار الوحدة إلى واقع.
من منظور سياسي فإن تحويل الوحدة إلى ممارسة يبدأ أولا بالاعتراف بأن الساحات الكردية ليست متطابقة، وأن لكل جزء ظروفه وتحالفاته وضغوطه.
هذا الاعتراف لا يضعف الوحدة، بل يجعلها أكثر واقعية. فالوحدة الحقيقية لا تقوم على إلغاء الاختلاف، بل على إدارة الاختلاف بما يخدم المصلحة القومية العليا.
ولذلك، فإن الخطوة الأولى هي بناء الثقة بين القوى الكردية. والثقة لا تبنى بالخطابات، بل عبر مواقف مسؤولة، ووقف الحملات الإعلامية التي تزرع الشك، واعتماد لغة سياسية تحترم الآخر ولا تخونه. فعندما يشعر كل طرف أن الآخر لا يستهدفه، يصبح الحوار ممكنا، والتقارب واقعيا ، ويقف صفا واحد ضد استخدام الخلافات الداخلية كأدوات ضغط سواء من قبل القوى المحلية أو الأطراف الإقليمية. فالأمة التي تسمح للآخرين بأن يوظفوا انقساماتها لن تستطيع أن تبني مشروعا قوميا مستقرا.
الخطوة الثانية هي إنشاء إطار مؤسسي دائم للتنسيق بين أجزاء كردستان ليس عبر لقاء او مؤتمر عابر ولا تفاهما ظرفيا، بل مؤسسة قومية واضحة المهام، تنسق في الملفات المصيرية: الأمن، الإعلام، العلاقات الخارجية، وحماية المجتمع. بدون مؤسسة مشتركة، ستبقى الوحدة مجرد شعار.
كما لا يطلب من هذه المؤسسة توحيد القرار، بل تعني تبادل المعلومات، وتنسيق المواقف في القضايا المصيرية، وتجنب التناقضات التي تضعف الموقف الكردي أمام العالم.
والخطوة الثالثة هي تعزيز دور المجتمع المدني والعلماء والمثقفين في صناعة الوحدة. فالقادة السياسيون وحدهم لا يستطيعون حمل هذا المشروع، بل يحتاجون إلى قاعدة اجتماعية واعية تدعم التقارب، وترفض الانقسام، وتدرك أن قوة الأمة في تماسكها، لا في تشتتها.
أما الخطوة الرابعة فهي إعادة ضبط الخطاب السياسي والإعلامي. لا يمكن أن نتحدث عن وحدة بينما تستخدم المنابر الإعلامية للتحريض أو التشكيك أو التخوين. يجب أن يكون هناك ميثاق شرف إعلامي كردي، يضع خطوطا حمراء تمنع استهداف أي جزء من كردستان أو أي قوة كردية، مهما اختلفت الساحات والظروف.
واستراتيجيا فإن الوحدة ليست خيارا تجميليا بل ضرورة وجودية. فالقوى الإقليمية والدولية تتعامل مع الشعوب وفق قدرتها على التماسك. وكلما كان البيت الكردي أكثر تماسكا، كان أكثر قدرة على حماية مصالحه، وعلى فرض احترامه في أي معادلة سياسية.
إن تحويل شعار الوحدة إلى ممارسة يحتاج إلى شجاعة سياسية، وإلى صدق في النوايا، وإلى استعداد للتنازل من أجل المصلحة العامة. فإذا اجتمعت هذه العناصر، فإن الوحدة لن تبقى شعارا، بل ستصبح واقعا ينعكس على مستقبل الأمة الكردية، ويمنحها القوة والاحترام في زمن تتغير فيه خرائط المنطقة بسرعة.
السؤال الثامن : ما الدور الذي يمكن أن تلعبه الأديان والأيديولوجيات في خدمة الأمة الكردية؟
الاجابة : في المجال السياسي والاجتماعي، تستخدم الأديان والأيديولوجيات لبناء الإنسان والمجتمع، لكنها في أصلها رسالات وقناعات أعمق من مجرد أدوات.
وعندما تتحول هذه الأدوات إلى وسائل صراع أو إلى مبررات للهيمنة فإنها تفقد قيمتها، وتتحول من عوامل قوة إلى عوامل تفتيت. ولهذا فإن الدور الذي يمكن أن تلعبه في خدمة الأمة الكردية مرتبط بقدرتنا على ضبطها ضمن إطار قومي واضح، يمنع استغلالها ويحسن توجيهها.
سياسيا فإن أخطر ما يواجه الأمة الكردية هو تسييس الدين وتديين السياسة، أو تحويل الأيديولوجيات إلى هويات بديلة تقسم المجتمع. فالأمة التي تتوزع بين انتماءات دينية وحزبية متصارعة تفقد قدرتها على اتخاذ موقف موحد، وتصبح عرضة للتدخلات الخارجية التي تستغل هذه الانقسامات.
لذلك، فإن الدور الصحيح للأديان والأيديولوجيات هو أن تكون رافعة أخلاقية وثقافية، لا أدوات صراع سياسي.
وقوميا فإن الهوية الكردية يجب أن تبقى الهوية الجامعة . الدين يحمي الأخلاق، والأيديولوجيا تنظم الفكر، لكن القضية القومية هي التي تحمي الوجود. وإذا لم تضبط العلاقة بين هذه العناصر، فإن الشعب الكردي سيجد نفسه أمام صراعات داخلية يضعفه بدل أن تقويه.
كما لا ننسى أن المجتمع الكردي بطبيعته مجتمع متنوع: مسلمون، إيزيديون، مسيحيون، زردشتيون، علويون، علمانيون، وطنيون، يساريون، ليبراليون. هذا التنوع ليس تهديدا بل مصدر قوة إذا أُدير بحكمة. فالأمم القوية هي التي تستثمر تنوعها لا التي تخشاه، لكن هذا يتطلب وعيا سياسيا يمنع أي طرف من فرض رؤيته على الآخرين.
ومن منظور ديني، فإن الدين جاء ليهدي الناس، لا ليقسمهم. والرسالة الأخلاقية للدين يجب أن تكون عامل تهدئة، لا عامل تعبئة ضد الآخر.
أما الأيديولوجيات فدورها أن تنظّم العمل السياسي، لا أن تتحول إلى جدران تفصل أبناء الأمة الواحدة.
إن الدور الحقيقي للأديان والأيديولوجيات في خدمة الأمة الكردية يمكن تلخيصه في ثلاث نقاط أساسية:
– أولا: أن تكون مصدرا للقيم التي تعزز التماسك الاجتماعي، لا سببا للانقسام.
– ثانيا: أن تستخدم كأدوات لبناء الوعي، لا كوسائل لفرض الهيمنة أو احتكار القرار.
– ثالثا: أن تضبط ضمن إطار قومي واضح، بحيث تبقى الهوية الكردية هي السقف الذي يجمع الجميع.
إذا نجحنا في ذلك، فإن الدين سيبقى قوة أخلاقية، والأيديولوجيا ستبقى أداة تنظيم، والأمة الكردية ستبقى موحدة وقادرة على مواجهة التحديات. أما إذا فشلنا، فإننا سنجد أنفسنا أمام صراعات داخلية تضعف القضية وتفتح الأبواب أمام الآخرين للتدخل في شؤوننا.
المقالات المشابهة
الشيخ مرشد الخزنوي – ميراث سياسي وفكري في المهجر الكردي
كلمة الدكتور مرشد الخزنوي في مراسيم استلامه لجائزة الشهيدة هفرين خلف للسلام
الشيخ الدكتور مرشد معشوق الخزنوي يُكرَّم بدرع السلام في مهرجان هفرين خلف بالرقة