Mashuq Foundation

for Dialogue Tolerance and Religious Renewal

شيخ الشهداء معشوق الخزنوي… كان نبض الشارع فالتفت حوله الجماهير

قناة اليوم – 10-05-2023

ذاكرة السوريين عموماً والشعب الكردي بشكل خاص تعجّ بذكريات مؤلمة تسردها قصص مأساوية ضحاياها شخصيات ورموز استثنائية أبت أن تمر عبر التاريخ دون أن تترك بصمات ومواقف بطولية استنهضت همم الجماهير… جماهير رأت فيهم خلاصها… لكن الولاة والسلاطين رأوا فيهم خطراً داهماً فقرروا التخلص منهم لا لشيء سوى أنهم شكلوا عقبة في طريق رغباتهم بالبقاء إلى الأبد حتى وإن كان ذلك على حساب دماء أبناء البلد.

من هؤلاء الشيخ الدكتور العلامة محمد معشوق الخزنوي الذي لمع نجمه في بدايات الألفية الثالثة وتحديداً بعد الثاني عشر من آذار مارس عام ألفين وأربعة عندما ارتكبت قوات الأمن السورية مجزرة في ملعب قامشلي راح ضحيتها العشرات من خيرة الشباب الكرد، وهو أمر أشعل شرارة انتفاضة شعبية عفوية.

ولأول مرة في التاريخ الحديث، يظهر رجل دين يحمل كاريزما خاصة يدعو الشباب للثورة في وجه جلاديه، بعدما تمكن من ردم الهوة بين جيل الشباب والدين، سلاحه في ذلك خطاب التجديد، إذ تطعمت ثقافته بثقافات أخرى خارج “التكية” التي أسّسها جده، وهو أمر قض مضاجع السلطات السورية وفروع مخابراتها سيئة السمعة والصيت.

اليوم في الذكرى الثامنة عشرة على اغتيال الشيخ معشوق الخزنوي، نستذكر سيرة رجل تحول في فترة زمنية قياسية، لرمز ديني كردي دعا للثورة بوجه حكم الاستبداد وانتزاع حقوق الشعب الكردي وباقي المكونات في سوريا بدلاً من نظام القمع والإقصاء المستمر منذ ستينيات القرن الماضي.

ولد محمد معشوق الخزنوي في الخامس والعشرين من كانون الأول ديسمبر عام 1958، في أسرة دينية معروفة على المستويين الكردستاني والإسلامي، فوالده هو عزالدين الخزنوي، وجده مؤسس الطريقة الخزنوية الشيخ أحمد الخزنوي الذي ذاع صيته في الآفاق، وموطنه هي بلدة تلّ معروف التي غدت بعد انتقالهم من قريتهم خزنة واستقرارهم فيها، أحد أهم مراكز العلم والمعرفة الدينية.

درس معشوق الخزنوي على يد معلمه الأول والده الشيخ عزالدين، بالإضافة إلى العلامة الشهير ملا عبد الله قرطميني، وانتسب بعدها لمعهد العلوم الشرعية في باب الجابية في دمشق، ثم أتمّ دراسته في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة حيث حصل على إجازة جامعية في العلوم الشرعية، ثم شهادة الدكتوراه من باكستان.

اصطدم معشوق الخزنوي بمحتوى المناهج الدراسية في المعهد الشرعي الذي أسسه الخزنوي الأب، فنشأ انشقاق فكري كبير بينه وبين أبيه الذي راح يعنى بأخيه غير الشقيق محمد، الأمر الذي دفع الشيخ معشوق للسفر إلى خارج تل معروف، ليستقر في مدينة إدلب، حيث عمل مدرساً في ثانويتها الشرعية، وخطيباً لمساجدها، حتى العام 1992 وقتها قرر الاستقرار في قامشلي المدينة التي عشقها وبادلته الشعور.

التجديد بالخطاب الديني كان من أكثر المفاهيم التي دغدغت مشاعر الخزنوي، فشارك في مؤتمرات دولية عديدة، كما ترأس الكثير من الندوات في أوروبا والعالم، ليحتل اسمه مكانة رفيعة لدى الكرد والسوريين عموماً، ويتجاوزهم بعد ذلك إلى العالم الإسلامي، كواحد من كبار رجال الدين الكرد الذين عملوا في إصلاح الشأن العام، رافضاً إضفاء القدسية على البشر، فليس هناك ناطقون باسم الله كما رفض إقحام الإسلام بالسياسة لتبرير تصرفات الحاكم المستبد.

انضم الشيخ الخزنوي إلى مؤسسات من المجتمع المدني، كمنظمة ماف، ورابطة الكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، وقد صدر له كتاب بعنوان “ومضات في ظلال التوحيد” وله العديد من المخطوطات التي لم تطبع بعد والتي تدعو إلى الاعتدال.

العاشر من أيار مايو عام ألفين وخمسة، اختُطف الخزنوي من مركز الدراسات الإسلامية في دمشق والذي كان يشغل فيه محاضراً ونائباً لرئيس المركز، زميله عضو البرلمان السوري الدكتور محمد حبش، واقتيد إلى مكان مجهول، وما يحز في النفس أن الدكتور حبش واصل عمله في إدارة المركز بعد اختطاف واغتيال الخزنوي، ليس ذلك فحسب بلى سعى لتبرئة الحكومة السورية مراراً ودعم روايتها حول الاختطاف حتى تاريخ 16 نيسان أبريل عام 2009 بعد أن أغلقت السلطات المركز دون توضيح الأسباب، وبعد الحراك الشعبي عام 2011، حينها غيّر حبش من روايته للأحداث واتهم دمشق بخطف وقتل معشوق الخزنوي.

متابعة خط سير عملية الاختطاف وتقارير خاصة، كشفت أنّ المختطفين سلموا الخزنوي للمخابرات الجوية، الذين نقلوه بدورهم لسجن صيدنايا قرب دمشق…. بعد 20 يوماً أعلنت السلطات السورية أنها عثرت على جثته في مدينة دير الزور وتحديداً في الأول من حزيران يونيو عام ألفين وخمسة، لكن هذه الرواية لم تكن محبوكة بدرجة تكفي لإقناع العالم.

رواية السلطات السورية أتت على ذكر دير الزور في محاولة لإشعال الفتنة بين الكرد وأبناء المحافظة، بعد مجزرة ملعب قامشلي، فيما حاول وزير الداخلية آنذاك غازي كنعان إحداث شرخ كبير في عائلة الخزنوي وضرب بعضها ببعض، عندما قال إن من اختطفوا معشوق الخزنوي هم من أتباع تكية أبيه، كي يتم اتهام أخيه الشيخ محمد، لكن الأخير أرسل بياناً شخصياً إلى “لجنة أصدقاء الخزنوي” يعلن فيه براءته من الجريمة.

جريمة الاختطاف التي لم تعترف الحكومة السورية بتنفيذها جاءت بعد أسابيع قليلة من إلقائه خطبة وصفت بالنارية في الثامن من نيسان أبريل عام ألفين وخمسة بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لمقتل الشاب فرهاد محمد تحت التعذيب على يد المخابرات السورية، وأبرز ما قال فيها (يجب أن نحوّل الموت إلى حياة)، و(الحقوق لا توهب صدقة إنّما الحقوق تؤخذ بالقوة)…عبارات رددتها الجماهير ولا تزال… جماهير التفت حوله فدعاهم لعدم السكوت على الظلم وإيصال قضيتهم إلى الأوساط الدولية والعالمية، في محاولة للاعتراف بالهوية والثقافة الكردية.

هذا الخطاب على وجه الخصوص ومجمل مواقفه هزت عروش المستبد، الذي سارع باتخاذ قرار إزاحته، فقد كشف تقرير صادر عن اجتماع أمني في الحسكة، سُرّبت مخرجاته لاحقاً، أن معشوق الخزنوي أصبح ظاهرة مقلقة ويجب التخلص منه.

بعيد الإعلان عن اختفاء الخزنوي خرجت مظاهرات حاشدة بمدينة قامشلي مسقط رأسه وانتقلت لمدن أخرى داخل سوريا وخارجها، واتهم المتظاهرون السلطات السورية بالوقوف وراء العملية وطالبوا بالكشف عن مصيره، كما أدانت دول ومنظمات حقوقية عملية الاختفاء القسري، وبدل أن تُهدّئ الحكومة السورية من غضب الشارع المحتج، شنت حملة اعتقالات بصفوف النشطاء السياسيين.

وخلال مظاهرة في قلب العاصمة دمشق طاردت قوات الأمن المحتجين في دوار المحافظة حتى ساحة باب توما، في محاولة لإنهاء التظاهر وخوفاً من انتقال المتظاهرين إلى ساحات أخرى.

في 31 أيار/مايو 2005، تم استدعاء نجلي معشوق الخزنوي مراد ومرشد إلى مقر الإدارة العامة للأمن الجنائي بدمشق الساعة الحادية عشر ليلاً حتى الساعة الرابعة فجراً، ليطلب منهم ركوب سيارة اتجهت ضمن موكب سيارات لجهة غير معلومة.

مرشد وأخاه الأكبر مراد كانا يظنان أنهما سيلتقيان بأبيهما وهو على قيد الحياة، لكنهما فوجئا بتوقّف الموكب قرابة الساعة السادسة والنصف عند مدخل الكراجات في مدينة دير الزور ثم التوجه نحو مقبرة قريبة وكانت الصدمة بوجود قبر مفتوح وبجانبه جثمان الشيخ الخزنوي ممدد على الأرض. وقيل لهما حينها أنه كان مدفوناً وأنهم أخرجوه من القبر، ولا يعلمون من الجاني، لكن نجلي الشيخ أكدا عدم وجود أي علامات تدل على أن والدهما كان مدفوناً، فقد كان الجثمان غير متّسخ ولا متفسخ، بل كانت هناك علامات تعذيب واضحة على الجثة. ويتابعان بالقول إنه لم يسمح لهما بالإعلان عن مصير الشيخ إلا عند الساعة الثانية عشر ظهراً.

بعدها حمل نجلا معشوق الخزنوي جثمان والدهما متوجهين إلى مدينة قامشلي، وقبل وصولهم انتشر الخبر كالنار في الهشيم وتوافدت حشود غفيرة من المدن والقرى الكردية، على مدخل المدينة لوداع رجل لطالما كان صوتهم.

وصل جثمان الشيخ عصراً إلى جامعه في حي حلكو الذي بناه حيث منبره الذي كان يصدح من فوقه بكلمة الحق دون أن يخشى لومة لائم. تأخر وصول الجثمان بسبب الحشود الغفيرة التي خرجت لوداعه، محمولاً على الأكتاف، ثم طافوا بجثمان شيخ الشهداء شوارع قامشلي وصولاً إلى منزله ثم إلى مقبرة الشهداء بحي قدور بك حيث ووري الثرى في مشهد مهيب…

ومن المضحك المبكي ما بثه التلفزيون الرسمي السوري بعد يوم واحد فقط من تسليم الجثمان، لاعترافات ثلاثة أشخاص قال إنهم متورطون بعملية خطف وقتل معشوق الخزنوي. تحدث المذيع المحقّق وقتها عن كل شيء، إلا عن الأمور المهمة المرتبطة بالجريمة…كيف تمّ نقل الشيخ من دمشق إلى حلب إلى دير الزور ودوريات الشرطة والمخابرات أكثر من “الهم على القلب” على جميع المفارق والمدن والقرى؟…لصالح من تم تنفيذ الجريمة؟… أين أداة الجريمة؟… هل ظهرت بصمات هؤلاء حقاً؟.. كل شيء كان مقصوداً لتشتيت الأذهان.

وما دمنا نتحدث عن البصمات وآثار الجريمة فإن بصمات المخابرات السورية كانت حاضرة وبقوة…يروي طبيب في مشفى تشرين العسكري بدمشق أن الأمن السوري نقل إليهم معتقلاً برقم خاص، بتاريخ الثامن والعشرين من أيار مايو ويتابع بالقول إنه لم يعاينه لكنه كطبيب تعرّف عليه، وبأنه لم يعرف سبب نقله للمشفى، ولماذا تم التعجيل في إخراجه، لكنه أكّد أنه كان الشيخ معشوق الخزنوي وأنه غادر وهو على قيد الحياة بحالة سيئة.

ومما لاشك فيه أن الشيخ معشوق الخزنوي لم يرضخ لطلبات الأمن السوري، لذلك أقدموا على التخلص منه بطريقة وحشية.

بعد عشرة أيام تم استدعاء نجلي الشيخ إلى دمشق أمام قاضي التحقيق الأول، حيث اتهم مرشد الخزنوي ماهرَ الأسد شقيقَ الرئيس السوري بارتكاب الجريمة، وطالب برفع قضية ضده لما يمتلكه من أدلةٍ تُدينه، لكنه مُنع من ذلك ولم يُسمح لنجليه إلا بتنصيب أنفسهم مدّعين على الثلاثة الذين ظهروا على التلفزيون وهو ما رفضته عائلة الشيخ معشوق.

الطائفة والعرق والمذهب لا مكان لها في أدبيات الخزنوي فالعرب والكرد وسائر القوميات في سوريا تشكل معاً وحدة ونسيجاً لا يتجزأ، على اعتبار أن المواطنة وحب الوطن هو المعيار الوحيد للتفاضل، والوطن يتسع لجميع أبنائه، من الكرد والعرب وجميع المذاهب والأعراق.

في إحدى المناسبات التي حضرها العديد من الشخصيات الاجتماعية البارزة محلياً وسورياً، ومن بينهم صديقه الباحث محمد حبش، قال إن اسم مدينته هو”قامشلو” و”القامشلية” و”قامشلي” وربما “زالين” بمعنى أنها لأبنائها من الكرد والعرب والمسلمين والمسيحيين، وكان لهذه العبارة، بل لهذا الحفل الذي دعا إليه الفسيفساء السورية وقعه الكبير، لا سيما أنه جاء بعد الثاني عشر من آذار مارس حين أراد النظام السوري إحداث فتنة وجر المنطقة لحرب أهلية، فكان بحق حلقة وصل أريد لها أن تنقطع.

كل ذلك كان سبباً كافياً لتنامي شعبية الشيخ الشهيد، خاصة أنه كان يحمل أفكاراً تنويرية وعِلماً أعاد للإسلام النقي رونقه بعيداً عن التشوهات الدخيلة، من قبل رجال دين لم يتحدثوا يوماً عن ظلم الحكام بل تسابقوا لالتقاط صور معهم كلما سنحت الفرصة بهدف تخدير الشعوب المضطهدة وإفقادها ذاكرتها.

وإذا كان الشيخ محمد معشوق الخزنوي قد لقب بين الكرد بـ”شيخ الشهداء”، فإنّ ذلك لم يأتِ من فراغ، فقد استطاع كسر حاجز الخوف في بلد عُرف باسم “مملكة الخوف” وحتى نفهم مدى تأثيره على من حوله، يكفي أن نعلم أن المساجد التي احتضنت خطبه في قامشلي ومناطق أخرى، كانت تعج بالآلاف بينهم شباب لم يسبق لهم أن قصدوا أماكن العبادة.

يقول عنه الكاتب الكردي إبراهيم اليوسف “إنه أحد هؤلاء الذين يولدون كل مئة عام مرة” … وإذا كانت هناك شخصيات كثيرة عابرة للتاريخ دون أن تترك أثراً، فإن محمد معشوق الخزنوي كان من القلائل الذين صنعوا التاريخ، فاستحق أن يعيش في ذاكرة ووجدان من ضحى لأجل أن ينعموا بحياة حرة…أن يعيشوا دون خوف…أن يحلموا بالديمقراطية…. من يدري ربما يتحول الحلم لحقيقة.

About Author